يوليو 21, 2024

رساله الحريه والكرامه والعداله في زمن العبوديه

الهولوكوست النووي.. سيناريو يوم القيامة

قدم المؤلف الأمريكي “جوناثان شيل” في عام 1982 أطروحته في كتابه “مصير الأرض” متضمنا ثلاث مقالات مطوّلة تتناول وضع كوكب الأرض بعد حرب نووية مرتقبة. وينظر بعض النقّاد إلى أن الكتاب يُعد أحد أهم المؤلفات في ذلك العقد لقدرته على توظيف الحقائق العلمية والاستعانة بحجج أخلاقية توضح مخاطر الإقدام على مثل هذا الفعل بمفهوم بشري عمومي.

يشير الكاتب إلى أن المقياس الوحيد والصحيح لتقدير قوة أي انفجار نووي هو الاستعانة بآثار انفجار قنبلتي “هيروشيما” و”ناغازاكي”. وكما هو متوقع، فبسبب التطور الذي طرأ على صناعة السلاح النووي لمدة عقدين، يمكن القول إن آثار هاتين القنبلتين يكاد لا يذكر وفق معايير القنابل الأحدث، بل إنهما مجرد “أسلحة تكتيكية” في التوصيف الحديث.

ويتناول المؤلف ما قد يتجنب معظمُ الأشخاص مواجهته، وهو أنّ نتائج أي حرب نووية تؤول دون شك إلى نهاية البشرية وانقراضها، وربّما نهاية معظم أشكال الحياة على كوكب الأرض. يقول واصفا ذلك:

“ستصاب بالعمى كل الحشرات والطيور والحيوانات حول العالم، وستنقرض العديد من الكائنات البحرية التي من بينها ما يشكل أساسا في السلسلة الغذائية الحياتية، وسيتغير مناخ الأرض بشكل مؤقت أو دائم، مع احتمالية حدوث تغيرات “دراماتيكية” في بنية الغلاف الجوي، وبالتالي تتلوث البيئة بأكملها بثاني أكسيد الكربون. أما أولئك الذين بقوا على قيد الحياة عند تعرضهم للإشعاع النووي لمدة عشر دقائق دون وقاية، فسيكونون عرضة للأمراض المزمنة وللأمراض الخبيثة والطفرات الجينية، ومن شأن ذلك انتشار أوبئة عالمية. وللنباتات نصيبها من الكارثة، فستنخفض عملية التمثيل الضوئي بشكل كبير، وستحترق المحاصيل الزراعية، عدا حدوث تسمم لجميع الفقاريات بسبب زيادة حادة في مستويات فيتامين “د” في جلدهم نتيجة لزيادة الأشعة فوق البنفسجية

غير أنّ نقّادا رأوا في توقعات جوناثان شيل شيئا من المبالغة، فالبروفيسور “بريان مارتين” الحاصل على شهادة الدكتوراة في الفيزياء من جامعة “سيدني” في أستراليا يقول في أطروحته “حجج عن مصير الانقراض”:

إن الكاتب (جوناثان شيل) يعتمد في منهجيته حدوث الأسوأ دائما، ليحوّر النتائج فتكون الأسوأ. فعلى سبيل المثال لو أن هجوما يعادل 10 آلاف ميغا طن استهدف الولايات المتحدة الأمريكية، فإن هذا الأمر يصبح حقيقة وموضعا للنقاش مع إسقاط ونفي جميع المؤهلات التي تستوفي حدوث هذا الأمر. وقياسا على هذه المعطيات التي حددها الكاتب، فإن معظم سكان الولايات المتحدة سيتعرضون للوفاة مباشرة.

ويكمل مارتين: هذا أمر غير ممكن، فكي يحدث مثل هذا الهجوم الضخم، فإن القنابل يجب أن تتنشر بشكل متساو على المناطق السكنية، وهذا ما ستمنعه دفاعات القوات الأمريكية. ولو ردّت الدولة الثانية على الأولى بنفس الضربة النووية، فإنّ ثمة دولا أخرى لن تتعرض لهذه الحرب، مع إمكانية حدوث وفيات نتيجة للإشعاعات النووية، لكنها ستكون أقل عرضة للمخاطر، وهذه الدول هي التي تقع في جنوب الكرة الأرضية إذ لا مصلحة لها في أي نزاع نووي. لذا فالتوقع بانقراض البشر أمر مستبعد منطقيا.7

وعلى أية حال، وإذا ما توقعنا أسوأ سيناريو، فإن هذا المقال يعرض أبرز العواقب الناجمة من الحرب العالمية النووية بالنظر إلى إجمالي عدد الرؤوس النووية وانتشارها ومدى استعداد كل قوة عسكرية لشن حرب على هذا النحو.

ووفقا لـ”مكتب تقييم التكنولوجيا” التابع للكونغرس الأمريكي، يمكن اختصار آثار الطاقة النووية في تحولها إلى عدد من الأنماط على النحو الآتي: خطر الانفجار ويشبه الانفجار الكيميائي العادي لكنه أشد وأعظم، خطر الأشعة النووية، خطر الأشعة الحرارية، خطر النبضات الكهرومغناطيسية، وأخيرا خطر احتشاد مجموعة من الجسيمات المشعة في طبقات الجو العليا ثمّ هبوطها لاحقا على الأرض ويُسمى بالهبوط الإشعاعي.8

فعالية التدمير.. انفجار مثالي للقنبلة النووية

أول وأهم عامل يضمن فعالية أي قنبلة نووية مدى قدرتها على إحداث دمار تفجيري شامل للمنطقة المستهدفة، فالانفجار يولّد اختلافا في ضغط الهواء مما ينتج عنه تأثيران: الضغط الزائد السكوني الذي يتولى أمر سحق الأبنية وخسفها في الأرض، والتأثير الآخر هو الضغط الديناميكي ويظهر على شكل رياح عاتية.

ووفقا للدراسات فإن الحصول على أسوأ الأضرار المادية يكون عند انفجار القنبلة النووية على ارتفاع معيّن من سطح الأرض، ويُطلق عليه الارتفاع المثالي. وهذا ما حدث بالفعل مع كلا قنبلتي “هيروشيما” و”ناغازاكي” إذ انفجرتا على ارتفاع نحو نصف كيلومتر فوق سطح الأرض، وغالبا ما تقع الخسائر البشرية من آثار تحطم الأبنية وتهدمها على سكانها إذا تناولنا تأثير الانفجار وحده فقط دون العوامل الأخرى التالية.

إشعاع نووي.. خلل وراثي جيني لعدة أجيال

من مزايا القنبلة النووية قدرتها على إنتاج أشعة نووية حادة وخطيرة في لحظات معدودة، ومخاطر هذه الأشعة أنها تفتك بخلايا الجسم الحي، علمًا بأن الدراسات التي تتناول مدى استجابة الإنسان للإشعاع المؤيّن ما زالت قائمة بسبب الجدل الكبير بشأنها. ويبدو أنه حتى التعرض للجرعات الصغيرة من الأشعة لا يقل سوءا عن التعرض لجرعات أكبر. ويمكن تجزئة آثار هذه الأشعة على قسمين: تأثيرات قصيرة المدى وأخرى طويلة المدى.

فعندما يتعرض الإنسان لجرعة مكونة من 600 “ريم” لستة أو سبعة أيام، فإنه سيكون معرضا بنسبة 90% لأمراض خطيرة ستُنهي حياته في غضون أسابيع. (“ريم” وحدة قديمة كانت تستخدم لقياس الجرعة المكافئة من الإشعاع عند تعرض الإنسان له).

وتقل نسبة الخطر بنقصان الجرعة على المدى القريب، ولكن على المدى البعيد فإنّه حتى الجرعات القليلة نسبيا -أي أقل من 200 ريم- ستؤدي إلى نتائج لا يحمد عقباها.

ومن هذه العواقب الوخيمة وأكثرها شيوعا حدوث خلل وراثي وجيني، ويمكن ملاحظته في الأجيال التي تبعت الناجين من كارثتي هيروشيما وناغازاكي، وما زال الاختلاف والجدل قائما بشأن نسبة الإشعاع النووي التي يمكن التعرض لها بشكل آمن.

YouTube
YouTube