يوليو 21, 2024

رساله الحريه والكرامه والعداله في زمن العبوديه

.هيلا سيلاسى

فى ذكرى وفاة آخر ملوك الحبشة..هيلا سيلاسى إمبراطور نبوءة العرش..حفر لنفسه مكانة عالمية لتدويله قضية احتلال أديس أبابا.. عثر على جثته تحت مرحاض وجنازته أقيمت بعد 25 سنة من وفاته.. سعى لتحديث بلاده وزار مصر 1965،،،،

هيلا سيلاسي أهم شخصية إثيوبية فى القرن العشرين، آخر أباطرة إثيوپيا ، حكم شعبه 46 عاما ، بداها ملكا فى 1928، ثم إمبراطورا فى 1930، وانتهى حكمه 1974، فى أحداث دراماتيكية ، ومن أكثر الشخصيات التى ثار حولها الجدل، وتوفى فى مثل هذا اليوم الموافق 27 أغسطس 1975.

لم يكن الهدوء رفيقا للإمبراطور، فبعد سنوات قليلة من بداية حكمه كان الغزو الإيطالي يتربص ببلاده، فاختار النضال من المنفى، وتولى مهمة تدويل القضية الإثيوبية، وكان دائم الحديث عن استقلال بلاده في المحافل الدولية ومنها انتقاده استخدام إيطاليا للسلاح الكيمياوي ضد الإثيوبيين بعصبة الأمم 1936، وطالب بتحرك دولي ضد الدوتشي الإيطالي بينيتو موسوليني، لذا لم تمكث إثيوبيا تحت الاحتلال أكثر من 5 أعوام فقط ، واستعاد هيلا سيلاسي عرشه عقب التدخل البريطاني ضد الإيطاليين بإثيوبيا في خضم الحرب العالمية الثانية، ومع هذا أصبحت تجربة إثيوبيا رمزا للاستقلال الإفريقي في الحقبة الاستعمارية

قد انتهز موسوليني الخلاف الفرنسي الإنجليزي حول مناطق النفوذ بعد الحرب العالمية الأولى، وتمكن من إقناع فرنسا بالموافقة على سيطرته على الحبشة ، وكذلك عدم ممانعة ألمانيا لمثل هذا العمل، واستغل الظروف الدولية، وضم الصومال وإريتريا إلى مملكته التوسعية، بمساعدة بريطانيا والولايات المتحدة، ونجح في توحيد ارتيريا مع إثيوبيا وحظي بموافقة الأمم المتحدة، بإقامة اتحاد بين إثيوبيا وأرتيريا ووقع مرسوم الاتحاد عام 1952، ولكن على أن تكون إريتريا إقليم حكم ذاتي لها برلمان خاص بها.

كان له دور كبير فى إقامة التعاون والوحدة الإفريقية ، وخاصة دوره فى مؤتمر مونروفيا بليبيريا 1961 ، ولاجوس 1962 ، وشارك فيه الزعيم المصرى جمال عبد الناصر، والذي انبثق عنه مشروع منظمة إفريقيا، بدأت إرهاصاتها الأولى في اللقاء بين أحمد سيكوتوري رئيس غينيا وهيلا سيلاسي 1962 ، والذي أسفر عن عقد مؤتمر أديس أبابا في شهر مايو 1962 الذي حضره ممثلون من ثلاثين دولة إفريقية.

كما ألقى الامبراطور، خطاب الافتتاح، وجاء فيه “لا يمكن أن ينفض هذا المؤتمر دون تبني ميثاق إفريقي موحد، ولا يمكن أن نغادر القاعة من دون إنشاء منظمة إفريقية واحدة.. فإذا ما أخفقنا فسوف نكون قد تخلينا عن مسؤولياتنا تجاه إفريقيا وشعوبها، أما إذا نجحنا فهنا وهنا فقط سوف نكون قد بررنا وجودنا”.

وبعد مناقشات واقتراحات من رؤساء الوفود تمّ التوقيع في 28 مايو 1963 ، على ميثاق منظمة الوحدة الإفريقية ، واختيرت حكومة إثيوبيا لأن تكون الجهة التي تودع لديها وثائق التصديق على الميثاق ومهمة تسجيل الميثاق لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، كما اختيرت أديس أبابا مركزاً لمنظمة الوحدة الإفريقية التي تحولت فيما بعد إلى الاتحاد الإفريقي.

كان له العديد من المواقف التي جمعته بشخصيات بارزة مصرية أبرزها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، خاصة دوره فى تأسيس منظمة الاتحاد الأفريقي ، وأصبح الأمين العام لها منذ عام 1963 إلى 1964، وكان من المؤسسين لمنظمة عدم الانحياز، مع جمال عبد الناصر ، وحضر فى مصر عند وضع حجر الأساس للكاتدرائية المرقسية بالعباسية في 24 يوليو 1965، خلال احتفالات العيد 13 للثورة ، واستقبله الرئيس عبد الناصر وأقيم له وقتها استقبال شعبى ورسمي، وتم تكريمه من مجلس قيادة الثورة.

وكانت مصر من الدول القليلة التى كان لها تمثيل دبلوماسي مع إثيوبيا وقت الإمبراطورية ، الدبلوماسي والمؤرخ المصري فرج موسى أول قنصل مصري في إثيوبيا، وكان الإمبراطور حريصا على أن يكون مطران إثيوبيا مصريا، وعند تتويج الإمبراطور ، شارك وفد مصرى مكون من ستة من المقربين للقصر، وعلى رأسهم نسيم باشا رئيس الوزراء، وبعد مدة قصيرة أهدى الملك فؤاد هدية إلى سلاسي، كانت مكونة من صالون كامل على الطراز العربي.

كما أن العلاقة القوية بين الإمبراطور ومصر ، دفعته ليرسل  ولي العهد الإثيوبي إلى القاهرة 1931، وكان عمره 16 عاما بمصاحبة كبار المسؤولين المقربين من الإمبراطور، تم استقبالهم استقبالا رسميا ، وذهبوا لأداء الحج في القدس، عند عودتهم استقلبهم الملك فؤاد بالقصر، ثم أقام البابا حفل استقبال على شرف ولي العهد.

ﻛﺎﻥ سيلاسي معروفا بتدينه وتمسكه بمسيحيته ، ينتمي ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻜﻨﻴﺴﺔ ﺍﻹﺛﻴﻮﺑﻴﺔ ﺍﻷﺭﺛﻮﺫﻛﺴﻴﺔ، ﻭهى ﻛﻨﻴﺴﺔ ﺗﺆﻣﻦ ﺑﺨﺼﻮﺻﻴﺘﻬﺎ ﺍﻟﻌﻘﻴﺪﻳﺔ ،ولقب بالعديد من الألقاب منها ملك الملوك، نور العالم، الأسد القاهر من سِبط، ويهوذا المختار من الله ملك إثيوبيا، ويعني  فى اللغة الغجرية (قوة الثالوث) التى تعنى “ﺍﻷﺏ ﻭﺍﻻﺑﻦ ﻭﺭﻭﺡ ﺍﻟﻘﺪﺱ”،  قيل في وصفه ” إنه كان معتدل القامة عليه مهابة ووقار مع مسحة من اللطف والصلف والزهو تخالطهما رقة طيبة عندما يتحدث عن صديق أو عزيز، لكنه يثور ثورة عارمة لا يفكر في عواقبها إذا مسست عزته أو خدشت كرامته وبلاده من قريب أو بعيد”.

وقد كانت هناك نبوءة قبل تولى سيلاسي العرش، أثرت كثيرا فيما بعد في شعبيته ، وفي مسار حياته ، إذ أن أحد النشطاء في حقوق السود في جاميكا، يدعى ماركوس جارفي، قال لأتباعه 1920 ، إن عليهم “التطلع لإفريقيا عندما يتوج بها ملك أسود حيث يصير يوم الخلاص في متناول اليد”.

وعندما توج رجل يدعى راس تافاري في إثيوبيا اعتبر الكثيرون ذلك علامة على صدق النبوءة، وأصبح راس تافاري هيلا سيلاسي “قوة الثالوث”، وعلى بعد 8 آلاف ميل وتحديدا في جامايكا، صار الإله مجسدا أو “جاه ” وصارت إثيوبيا أرض الميعاد، وهنا ولدت حركة الراستفاريين، خاصة أنه غير أسمه من “ﺗﺎﻓﺎﺭى ماكونن”، وكان دائما ما يسبقه كلمة “راس” والتى تعني باللغة الأمهرية “الأمير”، ولقب بـ”الأسد القاهر من سبط يهوذا المختار من الله ملك إثيوبيا”.

وطوال 63 عاما لم يلتق سيلاسى بأى من قيادات هذه الحركة ، ولكنه عندما زار جامايكا 1966 وقف يحيى الآلاف الذين كانوا يتحرقون شوقا لتلقي نظرة من إلاههم، وكان من بين المؤمنين ريتا مارلي زوجة مغني الريجي الشاب بوب مارلي الذي كان يقوم بجولة في الولايات المتحدة حينئذ.

وقالت ريتا لاحقا إنه عندما لوح لها هيلا سيلاسي شاهدت آثار المسامير في كفه، مشيرة إلى أن مشاعرها الدينية تأججت في تلك اللحظة، ولدى عودة زوجها دخلا في طائفة الراستفاريين، وبعد ذلك بثلاث سنوات بدأ الرستفاريون في الانتقال لإثيوبيا حيث منحهم إمبراطورها قطعة أرض، وقد وصل عددهم لاحقا إلى 300 شخص، ولكن الغريب أن جارفي صاحب النبوءة التي تسببت في ظهور هذه الطائفة لم يؤمن أبدا بهيلا سيلاسي بل كان منتقدا له.

جدل ..عظيما ..عصريا ..جبانا
 

 وقد كانت حياة آخر الملوك فى إفريقيا مثارا للجدل سواء في حياته أو بعد موته ، ففى الوقت الذى انتقده اعداءه ومنهم جارفى ووصفه بـ “الجبان” ، بسبب موقفه من الاحتلال الإيطالى ، وممارسات “العبودية” التى لم يتم إلغاؤها حتى عام 1942، كذلك اعتبره البعض أنه ديكتاتور، وكان حريصا على وضع قواعد ودستور يركز الحكم في يديه ويدي سلالته، بل إن ضمه لإريتريا عام 1962 ، حمل حقدا كراهية لسيلاسي وظلوا يصارعون من أجل الاستقلال حتى نالوه عام 1993

إلا أن هناك من يرى هيلا سيلاسي، زعيما، عظيما، وعصريا، وكان من أوائل القادة الأفارقة الذين يبرزون على مستوى القارة، وخاصة خطابه أمام عصبة الأمم 1936 عقب الغزو الإيطالي ، حتى تم تجسيدها فى أغنية بوب مارلي الصادرة عام 1976 “حرب“.

وفطن هيلا سيلاسي فى فترة وجوده خارج بلاده فى الثلاثينيات لأهمية التحركات الدولية ، لذا حاول كثيرا أن يكون له دور مع الدول الغربية أثناء الحرب الباردة، وكذلك التدخل لفض العديد من النزاعات بالقارة السمراء، ومنها حرب الرمال بين المغرب والجزائر 1963 و1964 ، واستضافت العاصمة أديس أبابا عدة قمم أفريقية، كذلك  ساند الإمبراطور الأثيوبي التوجه الاستقلالي للدول الأفريقية أثناء الحقبة الاستعمارية.

ومع بداية حكمه ، سعى الإمبراطور لتحسين التعليم والأوضاع الاجتماعية وإلغاء العبودية، ووضع دستورًا 1931، كما سعى لسياسة التحديث الدقيق، وتمنى أن تتطور إثيوبيا ماديا مع احتفاظها بثقافتها وتقاليدها المميزة، وأدخل اصلاحات اجتماعية واقتصادية وتعليمية، ولكن عندما كان الإمبراطور فى البرازيل 1960 ، حاول بعض القادة العسكريين والمعارضة قيادة انقلاب ضده ، لكنه فشل ، وهنا بدأ فى طريقة أكثر حده

فى مطلع السبعينيات، عاشت مناطق عديدة من إثيوبيا على وقع مجاعة أسفرت عن سقوط عدد كبير من الضحايا فما بين عامي 1972 و1974 فارق نحو 100 ألف ساكن من إقليم ولو، فى وقت اتهم فيه هيلا بإنفاق مبالغ مالية طائلة قدرتها بعض المصادر بنحو 35 مليون دولار للاحتفال بعيد ميلاده الثمانين، ونشرت له صور وهو يقدم الأطعمة لكلابه، وبدأ تدهور الاقتصاد، حيث ارتفعت نسبة التضخم، وتزايدت أسعار المحروقات بشكل غير مسبوق، كما بلغت نسبة البطالة أرقاما قياسية.

وفى فبراير 1974، عاشت إثيوبيا على وقع احتجاجات خلفت عددا من القتلى، فشل هيلا سيلاسي حينها في تخفيف حدّة التوتر على الرغم من إقراره لجملة من الإصلاحات، وانطلقت من أسمرة حركات للجيش، ورضخ على إثرها الإمبراطور الإثيوبي لمطالبهم فوافق على زيادة أجور الجيش وعيّن رئيس حكومة جديد، وانتهى الأمر بعزل الإمبراطور 1974 ، ووضع تحت الإقامة الجبرية، وباشر الجيش الإثيوبي باعتقال وإعدام العديد من أقارب ومستشاري الإمبراطور السابق إلى أن توفى في ظروف غامضة، وبدأ حكم  منجستو هيلا مريام، لتبدأ البلاد باعتماد نظام شيوعي حليف للاتحاد السوفيتي.ومع سقوط النظام الموالي للسوفيت بإثيوبيا عام 1991، عثر على بقايا هيلا سيلاسي مدفونة تحت القصر.

إلا أنه في 1992، عُثر على رفات الإمبراطور أسفل أحد مراحيض القصر، وحفظت بكنيسة بآتا مريم منذ ذلك الحين، حتى دُفنت بجوار بقية أفراد عائلته في كاتدرائية الثالوث، ولم يكشف أحد من الحكام وقتها حقيقة وفاته، إلا أن هناك من حلل أنه وعددا من عائلته انتهت حياتهم فى مذبحة ولم يتم التحقيق فى الأمر وقتها.

وبعد مرور 25 عاما على وفاة الإمبراطور الإثيوبيى ، أي عام 2000، أُقيمت له جنازة على الطراز الإمبراطوري في أديس أبابا، وتمت مراسم الدفن في كاتدرائية الثالوث المقدس، وارتدى القساوسة ثيابهم الفارهة، بينما اصطف قدامى المحاربين داخل الكاتدرائية وقد ارتدوا قبعات تزينها شعور الأسود، وحضر المراسم آلاف المشيعين، ورفضت الحكومة منح الجنازة الصفة الرسمية، واتهمت الإمبراطور الذي حرر إثيوبيا من الاحتلال الإيطالى، بالظلم والقسوة، واعتبرت أن الجنازة شأناً عائلياً وليس حكومياً.

وفى  فبراير من العام 2019 ، تم رفع الستار عن تمثال لسيلاسي خارج مقر الاتحاد الإفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، شارك فيها   الرئيس عبد الفتاح السيسي، وقادة أفريقيا ، باعتباره من الشخصيات المؤثرة في القرن العشرين، واعترافا بدوره في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية التى تحولت إلى الاتحاد الإفريقي، عندما عقدت أول اجتماع لها في أديس أبابا مايو عام 1963، وقال سيلاسي، الذي قضى عاما في إعداد عاصمته لأول اجتماع للمنظمة ، في الوفود المحتشدة حينئذ: ” أرجو أن يدوم هذا الاتحاد ألف عام.”

وفي عام 2002 تحولت منظمة الوحدة الإفريقية إلى الاتحاد الإفريقي، ولكن دوره في التأسيس ظل حيا في الذاكرة.

YouTube
YouTube