يوليو 21, 2024

رساله الحريه والكرامه والعداله في زمن العبوديه

تعريف السنن الإلهية

أنزل الله تعالى القرآن الكريم بلسان عربي مبين، وكان معجزة خالدة على مر الأزمان والعصور، أعجز الفصحاء والشعراء والأدباء، وبهذا فإن ألفاظه لا تخرج عن معانيها في اللغة العربية إلا بقرينة، فلفظ السنة في القرآن الكريم أُطلق على ما هو عليه في لغة العرب، أي “الطريقة والخطة المتبعة”، وسنة الرسل: “هي الشرائع الإلهية المنزلة لهداية الأمم”، وسنة الله: “ما جرى به نظامه تعالى في خلقه”.

أولا: كلمة “السنن في القرآن الكريم”:

وردت كلمة السنة في القرآن الكريم بجميع صيغها ست عشرة مرة: بصيغة “سنة” المفرد ثلاث عشرة مرة، بصيغة الجمع (سنن) مرتين، بصيغة “سنتنا” مرة واحدة، وباستقراء تلك الآيات كلها يتضح لنا أن المراد بالسنة في سياقها:

سنة الأنبياء والمرسلين السابقين وشرائعهم وطرائقهم في الأوامر والنواهي، والتحليل والتحريم، سنة الله في نصر عباده المؤمنين من الأنبياء والرسل والصالحين وتأييده لهم والتمكين لهم، سنة الله في عقاب الأمم الكافرة وإهلاكها، ومن ثم فإن الآيات السابقة كلها تتعلَّق بالمطيعين والعصاة؛ فسنته في أهل طاعته من المؤمنين: إكرامهم، وسنته في العصاة من الكافرين: إهانتهم وعقوبتهم.

وتسلك الصيغ السننية كلها جاءت في سياق واحد هو السياق الاجتماعي (سنن الاجتماع) المتعلق بأمر الله ونهيه ووعده ووعيده. أما سنن الله الكونية فقد عبرعنها القرآن الكريم بالآيات، كقوله تعالى: “إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” (البقرة: 164) 

والسنن في القرآن الكريم لا تقتصر على السنن الاجتماعية – السنن التي تحكم سلوك الإنسان- فقط، رغم إيهام الاستقراء بذلك، بل هو اقتصار مقصود، حكمته التنبيه على السنن الاجتماعية ولفت الأنظار إليها وكونها أيضا لازمة مثل السنن الكونية. فكلمة “السنن” وردت في القرآن الكريم في سياق الحديث عن السنن الاجتماعية، لكنها تبقى عامة تشمل سنن الكون التي لم يسمها القرآن سنة، لكنه أشار إليها طويلا ودعا إلى الكشف عنها عبر النظر في الكتاب المنظور (الكون) والسير في الأرض الذي عادة ما يرافق إيراد “لفظ” السنة في القرآن الكريم أو معناها.

كما في قوله جل وعلا: “فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا” (44)) (فاطر). وكقوله جل وعلا في سياق حديثه عن سنته في الرسل وسنته في المستهزئين بهم: “وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” (11)(الأنعام).هكذا يربط دائما السياق القرآني بين سنن الاجتماع البشري وسنن الكون، لأنها تمثل وحدة متكاملة وإن اختلفت أشكالها؛ فهي صادرة من إله واحد الذي خلق فشرع وأمر.

ثانيا: المعنى الاصطلاحي للسنن الإلهية

السنن الإلهية هي إرادة الله الكونية، وأمره الشرعي، وفعله المطلق، وكلماته التامات، ووعوده الحقة، وحكمه في آفاق الكون وتسلسل التاريخ، الجارية بالعباد من المعاش إلى المعاد.وعلى رغم من الكم الهائل من السنن الإلهية التي يزخر بها الكون إلا أننا عند إمعان النظر نجدها تنضوي تحت نوعين أساسين من السنن.

الأول: يشمل الجانب المادي من هذا الكون، وهو –بلا شك- الأوسع نطاقا، ويعرف بسنن الكون أو الطبيعة أو سنن الآفاق، وتعني نواميس الله سبحانه وتعالى في تسيير الكون وعمارته. وهي متعلقة بربوبيته وخَلقهِ جل وعلا، الثاني: خاص بالإنسان، وهي السنن والقواعد التي تحكم الإنسان-فردا وجماعة وأمة- في علاقته بهذا الكون وخالقه، وتسمى سنن الاجتماع والعمران أو سنن الأنفس أو السنن الشرعية أو الدينية أو الأمرية. وهذا النوع من السنن متعلق بإلهيته تبارك وتعالى وشرعه.

ودليل ذلك قوله جل وعلا: “أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” (الأعراف: 54)؛ فالخلق: أفعاله وما قضاه وقدره، والأمرُ: دينه وما شرعه لخلقه، فإلى بيان مفهوم سنن الكون وسنن الاجتماع، في معنى سنن الكون. قال الله تبارك وتعالى: سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (فصلت: 53). 

(في الآفاق) ما أخبر الله تعالى به من آياته في السَّمَوَات وَالْأَرضين، وَذَلِكَ من رفع السَّمَاء، وَخلق الْكَوَاكِب، ودوران الفلك، وإضاءة الشَّمْس وَالْقَمَر، وَمَا أشبه ذَلِك، وَكَذَلِكَ بسط الأَرْض، وَنصب الْجبَال، وتفجير الْأَنْهَار، وغرس الْأَشْجَار، إِلَى مَا لَا يُحْصى”(تفسير القرآن، للسمعاني (5/61). تفسير النكت والعيون، للماوردي (5/189).

فسنن الكون إذن هي: النواميس الحاكمة في الطبيعة وفي العالم المادي وفي نظام الكون وتركيبه وحركته ومجرياته، وتسمى الآيات الكونية، وآيات الآفاق، وسنن الطبيعة. وتسمى بلسان العصر علوم الفلك والفضاء والأرض والبحار والأحياء، وهذه السنن تخضع لها جميع الكائنات الحية في وجودها المادي وجميع الحوادث المادية، ويخضع لها كيان الإنسان المادي وما يطرأ عليه مثل نموه وحركة أعضائه ومرضه وهرمه ولوازم بقائه حيا ونحو ذلك. 

وهذا النوع من السنن لا خروج لأحد عنها؛ لأنها خاضعة للقدر الكوني ومتعلقة بالخلق والمشيئة الكونية؛ فهي تقع حتما. لكنها قابلة للخرق؛ حيث ينقضها الله تعالى إذا شاء بما شاء؛ فتمضي على غير ما اعتاده الناس، وهو ما يسمى بــــ “السنن الخارقة” في معنى سنن الاجتماع البشري.

إن سنن الاجتماع البشري متعلقة بشرع الله تعالى وأمره ونهيه ووعده ووعيده، وهي خاصة بالإنسان، إذ لا تمرد للطبيعة على فاطرها جل وعلا. وهذا النوع من السنن يملك الإنسان معه حرية الاختيار؛ لكن عليه أن يتحمل تبعات اختياره ونتائجه: إكراما أو عقوبة ونعيما مقيما أو عذابا مهينا.

 
ومجمل القول: السنن الاجتماعية هي: النواميس المتحكمة في الإنسان (باعتباره فردا وجماعة وأمة) وفي فكره وسلوكه وحركته في المجتمع وفاعليته في التاريخ. أو هي مجموعة من القواعد والضوابط والمبادئ والأحكام التي رسمها الله تعالى من أجل إصلاح حال الأفراد والجماعات والأمم في شؤونهم الدنيوية والأخروية، والارتقاء بالنفس البشرية إلى المراتب العلوية. 

YouTube
YouTube